الشيخ عبد الغني النابلسي
377
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فرعون والقبط وهم قوم فرعون على يديه كما اشتهر من ذلك قول الكهنة ، فقتل فرعون بسبب كل مولود ولد فعاشت ، أي أم موسى عليه السلام ، أي بقيت في الدنيا منتعشة وسرت ، أي فرحت بهذا التوهم والظن في نفسها الموجود بالنظر إليها مما لا يشعر به أحد غيرها وهو ، أي ذلك التوهم والظن علم مطابق للواقع في نفس الأمر من غير شعور بذلك منها . * * * ثمّ أنّه لمّا وقع عليه الطّلب خرج فارّا خوفا في الظّاهر وكان في المعنى حبّا في النّجاة ، فإنّ الحركة أبدا إنّما هي حبّيّة ، ويحجب النّاظر فيها بأسباب أخر ، وليست تلك . وذلك لأنّ الأصل حركة العالم من العدم الّذي كان ساكنا فيه إلى الوجود ، ولذلك يقال إنّ الأمر حركة عن سكون : فكانت الحركة الّتي هي وجود العالم حركة حبّ . وقد نبّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ذلك بقوله : « كنت كنزا مخفيّا لم أعرف فأحببت أن أعرف » . ثم إنه ، أي موسى عليه السلام لما وقع عليه الطلب بالقتل من قوم فرعون حين قتل القبطي خرج من مصر فارا ، أي هاربا من فرعون وقومه لما علم بذلك قال تعالى : وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20 ) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 21 ) [ القصص : 20 21 ] . وكان خروجه خوفا في الظاهر من القتل وإن كان في المعنى حبا ، أي رجاء وطمعا في النجاة والسلامة فإن الحركة خصوصا السريعة أبدا إنما هي حبية ، أي منسوبة إلى الحب بمعنى المحبة ، فإن مبدأها الشوق إلى التحرك إليه من كل أمر ويحجب الناظر فيها ، أي في الحركة عن معرفة كونها حبية بأسباب أخر غير الحب الداعي إليها تسمى بها مقاصد الحركة كالأكل والشرب والكلام والمشي ونحو ذلك وليست تلك الأسباب بحاجبة في نفس الأمر للمتأمل . وذلك ، أي بيان كون الحركة حبية لأن الأصل في التكوين حركة العالم ، أي المخلوقات من العدم الذي كان ذلك العالم ساكنا فيه على معنى التوهم إذ العالم كان عدما صرفا في نفسه إلى الوجود الذي اتصف به ظاهرا وهي حركة أمر اللّه تعالى الذي قام به خلقه كلمح بالبصر وهو قوله : كُنْ فَيَكُونُ ؛